الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
130
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حصول النصر . فإطلاق الغرور هنا مجاز ، وإسناده إلى الدين حقيقة عقلية . وجملة : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ معطوفة على جملة : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [ الأنفال : 48 ] لأنّها من جملة الأخبار المسوقة ؛ لبيان عناية اللّه تعالى بالمسلمين ، وللامتنان عليهم ، فالمناسبة بينها وبين الجملة التي قبلها : أنها كالعلّة لخيبة ظنون المشركين ونصرائهم ، أي أنّ اللّه خيّب ظنونهم لأنّ المسلمين توكّلوا عليه وهو عزيز لا يغلب ، فمن تمسك بالاعتماد عليه نصره ، وهو حكيم يكوّن أسباب النصر من حيث يجهلها البشر . والتوكّل : الاستسلام والتفويض ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في سورة آل عمران [ 159 ] . وجعل قوله : فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ جوابا للشرط باعتبار لازمه وهو عزّة المتوكّل على اللّه وإلفائه منجيا من مضيق أمره ، فهو كناية عن الجواب وهذا من وجوه البيان وهو كثير الوقوع في القرآن ، وعليه قول زهير : من يلق يوما على علاته هرما * يلق السماحة فيه والندى خلقا أي ينل من كرمه ولا يتخلّف ذلك عنه في حال من الأحوال ، وقول الربيع بن زياد العبسي : من كان مسرورا بمقتل مالك * فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرا يندبنه * بالليل قبل تبلّج الأسفار أي من كان مسرورا بمقتله فسروره لا يدوم إلّا بعض يوم ثم يحزنه أخذ الثأر إمّا من ذلك المسرور إن كان هو القاتل أو من أحد قومه وذلك يحزن قومه . [ 50 ، 51 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 50 إلى 51 ] وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 50 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 51 ) لمّا وفّي وصف حال المشركين حقّه ، وفصّلت أحوال هزيمتهم ببدر ، وكيف أمكن اللّه منهم المسلمين ، على ضعف هؤلاء وقوة أولئك ، بما شاهده كلّ حاضر حتّى ليوقن السامع أنّ ما نال المشركين يومئذ إنّما هو خذلان من اللّه إيّاهم ، وإيذان بأنّهم لاقون